غزة / لم يترك الحصار الإسرائيلي على غزة جانباً من جوانب الحياة إلى أتى عليه تدميراً أو تعطيلاً، وبات ما يزيد على 1.8 مليون فلسطيني، بين رجال ونساء وأطفال وشيوخ، ضحايا أكبر سجن في العالم، فيما ضعف ضمير العالم وقواه العظمى عن إلزام إسرائيل بوقف هذه المهزلة الإنسانية.
وأدى تعطيل المنشآت والحياة في غزة إلى بطالة جماعية وفقر طال آلاف العائلات، وأدى ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية بسبب نقصها إلى اعتماد أربعة من كل خمسة غزيين على المساعدات الإنسانية، وبات الحصار المضروب على غزة يمثل شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، لا يفرق بين كبير وصغير.
الدكتور أحمد يوسف، رئيس اللجنة الحكومية لكسر الحصار عن غزة، أكد أن الحصار الإسرائيلي المتواصل أثر على نواحٍ بيئية كثيرة جداً كان ولا زال لها تداعيات خطيرة على الحياة النفسية والصحية والتعليمية والاقتصادية للمواطنين، عدا أن من شأنها أن تشكل عراقيل في وجه الجيل القادم وفي وجه النسيج الاجتماعي".
لكنه أشار خلال حديثه لـ"قدس برس" إلى الصمود والإرادة التي يتسلح بها الفلسطينيون، مؤكداً على أن "الاحتلال لم يستطع أن يكسر إرادة الشعب في التكيف مع هذا الواقع والحفاظ على هوية فلسطينية متماسكة".
منافذ مغلقة
ومنذ فرض الحصار في آذار (مارس) 2006 على إثر فوز حركة "حماس" في الانتخابات التشريعية وتشديده بعد أحداث حزيران (يونيو) 2007 وسيطرة "حماس" على القطاع؛ ظلت المنافذ الخمسة بين غزة وإسرائيل أو الضفة الغربية، والتي تسيطر عليها إسرائيل، مغلقة حتى الآن، إلا لإدخال بعض الحاجيات الأساسية بين الفينة والأخرى.
كما أن المنفذ البري الآخر، وهو معبر رفح، يخضع لسيطرة السلطات المصرية، ويظل مغلقاً جُل الوقت، الأمر الذي يمنع إمكانية تنقل الفلسطينيين من غزة وإليها في جميع الظروف باستثناء فتحه في أوقات قليل للحالات الإنسانية الاستثنائية على وجه العموم.
جدير بالذكر أن السلطات المصرية أعلنت الثلاثاء الماضي (1/6) عن فتح معبر رفح بشكل يومي إلى أجل غير مسمى. وجاءت هذه الخطوة على إثر العدوان الإسرائيلي ضد أسطول الحرية الذي كان يحمل المساعدات إلى قطاع غزة.
وأكد على النزلي مسؤول العلاقات العامة في اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار أن إسرائيل تغلق المعابر المحيطة بغزة جميعا بشكل شبه كامل، لافتاً النظر إلى أن الاحتلال سمح مؤخرا بإدخال بعض المواد الاستهلاكية فقط، وأنه يسمح يوميا بإدخال 60 طناً فقط في الوقت الذي يحتاج القطاع إلى 4000 طن.
وفي الوقت الذي تسمح فيه السلطات الإسرائيلية بإدخال كمية قليلة من المواد الإنسانية المرسلة من وكالات الإغاثة الدولية إلى قطاع غزة، فإن هذه المواد مقيَّدة بشكل صارم وتتعرض لتأخير متكرر، وقالت وكالات الأمم المتحدة إن التكاليف الإضافية للتخزين والنقل الناجمة عن التأخير بسبب الحصار بلغت نحو 5 ملايين دولار في عام 2009.
انهيار الاقتصاد
بدوره، قال الدكتور تيسير الطباع مدير العلاقات العامة في الغرفة التجارية الفلسطينية إن الحصار يحظر معظم الصادرات ويقيد إدخال السلع الأساسية، بما فيها المواد الغذائية والوقود، أما المواد الغذائية المتوفرة فإن معظمها يأتي من وكالات الإغاثة، أو يتم تهريبها عبر الأنفاق بين مصر وغزة، ثم بيعها بأسعار باهظة إلى سكان غزة.
وأكَّد الطباع لـ"قدس برس" على ضرورة العمل على إيجاد "حلول جذرية ونهائية لقضية المعابر، بحيث تعمل على مدار الساعة ودون عوائق، لافتاً إلى أنّ الاحتلال الإسرائيلي "تعمّد تدمير كل شيء في غزة، حتى لا تكون هناك مساحة لأي مواطن للحصول على لقمة عيشه".
وازدادت الأوضاع تردياً من جراء قيام الحكومة المصرية بإنشاء جدار فولاذي على طول الحدود مع رفح لمنع التهريب عبر الحدود، الذي أصبح شريان الحياة بالنسبة لغزة، وقيام القوات الإسرائيلية بتفجير الأنفاق.
وتابع الطباع "لقد أدى حصار إسرائيل الخانق على غزة إلى انهيار اقتصادي واضح في المنطقة، أدى إلى انخفاض الدخل الحقيقي للفرد إلى أكثر من 50 % عما كان عليه قبل الحصار، كما أدى لانهيار متواصل في البنية الاقتصادية للقطاع، سواء بالنسبة للموارد المادية الضعيفة تاريخيا، أو بالنسبة للمنشآت الصناعية التي توقف أكثر من 90 % منها عن العمل، وكذلك الأمر بالنسبة لقطاع الزراعة الذي توقف عن التصدير بصورة شبه كلية، إلى جانب التدهور المريع في قطاع الإنشاءات والتجارة والخدمات في سياق التراجع الحاد للواردات والصادرات بصورة غير مسبوقة".
وتقدر إحصاءات رسمية الخسائر الاقتصادية المباشرة بسبب الحصار على قطاع غزة بحوالي 48 مليون دولار شهرياً، وتتوزع على قطاع الصناعة بمعدل 16 مليون دولار بنسبة 33 % وعلى قطاع الزراعة بمعدل 12 مليون دولار بنسبة 25 % وعلى القطاعات الأخرى، التجارة والإنشاءات والخدمات والصيد بمعدل 20 مليون دولار بنسبة 42 % .
وسبب الحصار كذلك ارتفاعا مذهلا في أسعار العديد من السلع و المواد الغذائية وتراجعا تدريجيا في الإنتاج الحيواني والبيض والألبان بسبب ضعف توريد الأعلاف ما قد يؤدي إلى انهيار الثروة الحيوانية.
ولفت الطباع إلى أن الحظر المفروض على استيراد مواد البناء يسبب تعطيل إعادة بناء المساكن التي دمرها الاحتلال خلال الحرب، فيما يناضل الغزيون للتغلب على آثار الحصار الإسرائيلي المفروض على حركة الواردات والصادرات فيه، مما تسبب في انخفاض القدرة الإنتاجية، والحد من فرص الحصول على الأغذية الطازجة بأسعار معقولة.
ولم تسلم السيولة المالية والمصرفية من غول الحصار، حيث يواجه موظفو السلطة الفلسطينية المقيمين في غزة وعددهم 65 ألفاً صعوبات بالغة في الحصول على رواتبهم بسبب أزمة السيولة التي سببها الحصار.
الكهرباء والمياه
وأشار النزلي خلال حديث لـ"قدس برس" إلى أن تأثيرات الحصار طالت الكهرباء في قطاع غزة، حيث يعاني السكان من انقطاع الطاقة الكهربائية فترة 8-12 ساعة يومياً بسبب تقليص الاحتلال لكميات الوقود الواردة لمحطة غزة للكهرباء، كما أن ثمة نقصاً متكرراً في غاز الطبخ.
وحسب المسؤول الفلسطيني، أثر تقليص إمدادات الكهرباء بشكل سلبي على قدرة المستشفيات على تشغيل بعض الأجهزة الطبية كما أدى لإعطاب العديد منها، كما أثر سلبيا على عمل المخابز ومعالجة المياه في المخيمات وهذا يلقي بظلاله على كافة الأمور الحياتية في غزة، أما على صعيد مياه الشرب والصرف الصحي، فقد أوقف الحصار كافة المشاريع التطويرية في هذا الإطار.
ونبَّه النزلي إلى أن دراسات لمؤسسات متخصصة تفيد بأن 80 % من مياه غزة غير صالحة للشرب، إضافة إلى وجود مشكلة تتعلق بالصرف الصحي بسبب انقطاع التيار وعدم توافر الأجهزة الخاصة بالمعالجة، لافتا إلى أنه أصبح هناك خلط ما بين مياه الشرب والصرف الصحي في عدة مناطق، وهذا يشكل كارثة بيئية كبيرة.
وأضاف "كما أن توقف محطات التكرير جعل المياه المبتذلة تشكل بحيرات على امتداد الشاطئ لوَّثت المياه الجوفية والمزروعات، بما يرتد سلباً على مجمل مياه المواطنين.
الصحة
وأشار النزلي إلى أن الحصار ألقى بظلاله على القطاع الصحي بشكل خاص في غزة، لافتا إلى أن أكثر من 500 مواطن ذهبوا ضحية هذا الحصار إما بسبب نقص الدواء أو لعدم تمكنهم من السفر للعلاج في الخارج خلال أربع سنوات من الحصار، فيما يعاني 50 % من أطفال غزة من أمراض فقر دم وسوء التغذية، وخاصة من يقطنون في المخيمات والمناطق الحدودية.
وأوضح أن الحصار المشدد عمل على تقييد انسياب ونقص إمدادات الغذاء والدواء والوقود والمعدات الطبية اللازمة والضرورية لتشغيل المستشفيات والمرافق الصحية، والمعدات والمواد اللازمة لتشغيل منشآت الصرف الصحي والتعامل مع النفايات.
ولازال القطاع الصحي في غزة يعاني من نقص المعدات والمواد الطبية، وصار يتعين على الأشخاص المصابين بأمراض لا يمكن معالجتها في غزة أن يقدموا طلبات للحصول على تصاريح مغادرة القطاع لتلقي العلاج، إما في مستشفيات أجنبية أو في مستشفيات الضفة الغربية.
وكثيراً ما تعمل السلطات الإسرائيلية والسلطات المصرية على تأخير أو رفض منح هذه التصاريح، وقد توفي نحو أربعمائة من الغزيين بينما كانوا بانتظار الحصول على تصاريح مغادرة القطاع لتلقي العلاج في أماكن أخرى.
وكثيراً ما أقدم موظفو الحدود الإسرائيليون على إعادة الشاحنات المحملة بالمواد الطبية الذاهبة إلى مستشفيات غزة من حيث أتت، من دون إبداء أي تفسير لذلك، فيما لا تتوافر في غزة نتيجة الحصار العديد من العلاجات الضرورية كالعلاج الكيميائي والعلاج بالأشعة وجراحات الأطفال.
وتجدد باستمرار حاجة القطاعات الطبية في غزة إلى الأدوية، حيث يشهد القطاع في ظل الحصار نقصا ملحوظا في العديد من الأدوية والمواد الطبية الأساسية.
حصار التعليم
وعلى صعيد التعليم؛ أشار المسؤول في اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار إلى أن القيود الإسرائيلية تمنع إعادة بناء وترميم المدارس المدمرة، فيما يعاني القطاع من نقص الورق اللازم للكتابة والامتحانات وكذلك نقص الكتب المدرسية، وقال النزلي: "مع بداية كل عام يعاني القطاع من نقص القرطاسية والورق للطلاب".
وتعوق القيود التي تفرضها إسرائيل على كمية ونوع الواردات المسموح بدخولها إلى غزة سير العملية التعليمية، فالمدارس تشكو من نقص في مياه الشرب والكتب المدرسية والمختبرات والآلات الحاسبة والحواسيب.
كما نوه النزلي إلى أن هناك مئات الطلبة الذين يوجد لهم منح دراسية في الخارج، تحرمهم المعابر المغلقة من الالتحاق بجامعاتهم وحقهم في التعليم.
العقاب الجماعي
وطرحت السلطات الإسرائيلية سلسلة من المبررات للحصار الذي تضربه على غزة، فتقول إنه رد على الهجمات التي تشنها المقاومة الفلسطينية، ورد فعل على استمرار أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط لدى المقاومة الفلسطينية، ووسيلة للضغط على إدارة حماس.
وقالت منظمة العفو الدولية في تقرير جديد لها: "إن الحصار، أياً كانت مبرراته المعلنة، ما هو إلا عقاب جماعي لسكان غزة جميعاً، الذين يشكل الأطفال أغلبيتهم، ولا يستهدف إدارة حماس أو الجماعات المسلحة الأخرى".
أما الدكتور يوسف، وهو المستشار السياسي لرئيس الحكومة في غزة، فأكد على أن الاحتلال هدف من فرض الحصار إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني وإضعاف الحكومة المنتخبة ومواصلة حالة العزلة السياسية المفروضة على القطاع.
وقال: "هذه الأهداف لم تنجح الحرب في تحقيقها، فاعتقدوا أن استمرار الحصار تدريجيا سيؤدي إلى تأليب الرأي العام على الحكومة في غزة والتالي إحباط كل إمكانيات النجاح والظهور بمظهر النموذج الذي كنا نتطلع إليه عندما شاركنا في الانتخابات وهو تحقيق الإصلاح والتغيير". واعتبر أن كل هذه المحاولات فشلت وأن هذا الحصار في طريقه إلى الزوال، كما قال.